الشيخ عبد السلام السلطاني : حياته وآثاره.
الأستاذ يوسف بن حفيظ
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وجميع صحابته أولي الفضل العظيم، وعلى آله
التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد آن الأوان لإنصاف شيخ جليل وعالم كبير ، من علماء الجزائر خدم اللغة العربية والإسلام خدمة عظيمة ، بما ترك من
التآليف ، وبما قام به من أعمال سواء في وطنه الجزائر ، أو وطنه الثاني الشقيقة تونس - عجل الله خروجها من أزمتها
الحالية المفتعلة - وقد نفع أينما وقع ، ذلكم هو العلامة عبد السلام بن عبد الرحمن السلطاني رحمه الله ، ولعلنا في هذا اليوم
الدراسي نؤدي دينا في أعناقنا نحو شخصه ، وهو التعريف به ومؤلفاته وأعماله ، فالرجل رغم مكانته إلا انه بقي مجهولا
عند عامة الناس ، وكثير من الخاصة - باستثناء معاصريه وبعض الذين يلونهم - ، وقد قام ابن أخيه الأستاذ لحسن بن
علجية هذا العام بإخراج كتاب ألفه عن حياة عمه وآثاره وما قصر ، وقضى هو أيضا دينا في عنقه نحو عمه لا يؤديه
غيره ولا يعرفه سواه ، فجزاه الله خيرا ، كما سبق لهذا العبد الضعيف أن كتب عنه في جريدة البصائر - السلسلة الرابعة
السنة السادسة عدد 266 - .
نسبه وأسرته :
أ - ينتسب الشيخ عبد السلام إلى قبيلة كبيرة من أشهر قبائل ولاية باتنة، ومن أكثرها عددا : قبيلة أولاد سلطان التي
تقاسمتها ثلاث دوائر : عين التوتة نقاوس مروانة ، وإن كان سوادهم الأعظم قد حازته دائرة عين التوتة ، وهي قبيلة
مشهورة بعلمائها ، وكثرة حملة القرآن الكريم بها ، ثم بجهادها ضد الصليبيين الغاصبين ، فقد كانت هذه القبيلة جيشا من
جيوش الحاج احمد باي في دفاعه عن الناحية الشرقية ، ثم كانت ملجأه بعد انهزامه ، ثم في ثورة عين التوتة سنة 1916 م
فقد شاركت قبيلة أولاد سلطان مع غيرها من القبائل في هذه الثورة ودفعت ثمنا باهضا ، واستثنيت بأحكام وقوانين ظالمة
جائرة ، لازمتها حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية .
ب - أما أسرة المحتفى به فكانت رأس هذه القبيلة واليها تعود القيادة الدينية والزعامة السياسية، وأنجبت أعلاما جمعوا بين
العلم والجهاد والسيف والقلم ومنهم:
1 - جد أبيه القاضي المجاهد لخضر بن علي العوفي السلطاني ، العالم الفقيه ، تولى قضاء القبيلة للحاج احمد باي - باي
قسنطينة - ، ثم لما انهزمت جيوش الحاج احمد باي لجأ إلى قبيلة أولاد سلطان ، فبايعه القاضي على الجهاد سنة 1843 م
، واستمر الجهاد سنة ونصف ، كتب النصر للمجاهدين في بعض المعارك والهزيمة في أخرى ، ولما سيطرت الجيوش
الغازية على الثورة ، غادر الحاج احمد باي القبيلة إلى جبال الأوراس - احمر خدو - ، وقادت السلطات الاستعمارية حملة
تقتيل ونفي وسجن لم ينج منها إلا القليل ، وكان نصيب القاضي النفي إلى جزيرة سانت - مارغريت بفرنسا سنة 1845 م
، وبقي في منفاه إلى أن توفاه الله ، وشغل نفسه بكتابة المصاحف والتعبد ، وقد استطاع أن يرسل نسخة من الكتاب العزيز
إلى اهله، مازالت عند عائلته بعين التوتة إلى اليوم .
2 - ومنهم : والد الشيخ عبد السلام وهو رأس قبيلة أولاد سلطان وشيخها ، واليه يرجع كل أمرها : الحاج عبد الرحمن وهو
من قادة ثورة 1916 م ، وبعد الهزيمة كان جزاؤه النفي إلى آفلو ، تماما كجده القاضي .
3 - ومنهم : الشيخ محمد الأول ، وشيخنا الشيخ محمد الثاني - أمد الله في عمره - والشيخ الشهيد عبد العزيز والأستاذ لحسن
وغيرهم، ولنعد إلى الشيخ المحتفى به اليوم :
دراسته وشيوخه :
هو الشيخ عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد بن لخضر بن على العوفي السلطاني ، ولد رحمه الله سنة 1896 م بقرية
البير نوانو ، التابعة اليوم لبلدية أولاد عوف دائرة عين التوتة ولاية باتنة ، وبها نشأ وترعرع وسط هذه العائلة الماجدة ،
والبيئة العلمية الخالصة، وبها حفظ القرآن الكريم على يد والده الحاج عبد الرحمن والشيخ محمد بن مرابط ، وقد وجد
مكتوبا بخط يده انه أتم حفظ القرآن وعمره 15 عاما حوالي 1909 م ، وبعد حفظه لكتاب الله العزيز ، ولَّى وجهه شطر
زاوية طولقة العامرة ، شأن جميع أترابه من طلاب العلم وقتئذ ، وكانت هذه الزاوية المقصد الأول لطلاب العلم الشريف ،
فمكث بها زهاء ثلاث سنوات ، حصل بها قسطا من العلوم الشرعية واللغوية على يد مشايخها .
ثم توجه إلى قسنطينة حيث سيد علماء الجزائر وباعث نهضتها الإمام عبد الحميد بن باديس ، وقد كان صديقا حميما لوالده
الحاج عبد الرحمن ، وكان ذلك حوالي سنة 1915 م ، أي انه من أوائل طلاب الأستاذ الإمام ، وقد كان أثيرا عنده لما
لمس فيه من الذكاء الحاد ، والرغبة الملحة في طلب العلم ، لذلك اعتنى به اشدَّ العناية ، وقد كتب زميله في الدراسة الشيخ
الدراجي بن سليمان التاملوكي في جريدة الشهاب - أكتوبر 1936 - فقال : ( ومن المعاصرين لي بالجامع الأخضر الشيخ
عبد السلام السلطاني والشيخ مصطفى بلحمر ، وان الشيخ ابن باديس تعب معهما أكثر من غيرهما ) ، وقد لبث في كنف
شيخه وملهمه ابن باديس 6 سنوات ، ملأ وطابه علما صحيحا وفهما سليما ، وبتشجيع من الإمام توجه الشيخ عبد السلام
لحاضرة تونس ميمما وجهه شطر جامعها الأعظم المعمور سنة 1921 م ، وبما انه وقتئذ يكاد يكون عالما تامَّ التحصيل ،
ادعى الدراسة للمرحلة الأخيرة ، وقد امتحن في دعواه فنجح ، وذلك بتاريخ 15 محرم 1340 / 18 سبتمبر 1921 م ،
فانتسب للمرحلة الأخيرة ، ولما بدأ الدراسة في المرحلة التي ادعاها يوم 26 سبتمبر 1921م تبين لأساتذته أن تحصيله
العلمي تجاوز هذه السنة ، فقررت مشيخة الجامع الأعظم تقديمه سنتين أخريين - تجدون كل هذا في دفتره الزيتوني
المنشور في كتاب العلامة عبد السلام السلطاني لابن أخيه الأستاذ لحسن بن علجية - وقد لبث بجامع الزيتونة ثلاث سنوات
، ثم تقدم لنيل شهادة التطويع ، وهي أعلى شهادة يومئذ وذلك سنة 1924 م ، فنالها بالرتبة الأولى ، وعاد إلى قريته وأقام
له والده احتفالا دعي إليه شيخه ابن باديس ، واستقبل بما يليق بمقامه السامي ، والحَقَتْ هذه الزيارة متاعب لوالده مع حاكم
حوز عين التوتة.
شيوخه بالجامع الأعظم : فهم كثر أحصاهم الأستاذ لحسن في كتابه ، ومن أشهرهم : الشيخ رجب بن صالح ، الصادق
الشطي ، محمد العربي الكبادي ، عثمان بن الخوجة ، محمد النخلي ، الطاهر بن عاشور ، ..... وغيرهم رحمهم الله جميعا
.
أما زملاؤه في الدراسة فهم كثر ، نذكر بالخصوص منهم علمين من أعلام جمعية العلماء وهما : الشيخ مبارك الميلي
والأستاذ محمد السعيد الزاهري .
وقد قيد الشيخ في دفتره مراحل تعليمه قال رحمه الله :
( الحمد لله ، مَنَّ الله علي بحفظ كلامه العزيز عام 1329 هـ وعمري إذ ذاك 15 سنة، وفي عام 1331 هـ ابتدأت تعلم
العلم بزاوية طولقة أقمت بها ثلاث سنوات، وفي سنة 1334 هـ ذهبت إلى قسنطينة للأخذ من شيخنا عبد الحميد بن باديس
إلى سنة 1339 هـ ، وفي سنة 1340 هـ ذهبت إلى تونسي للإرتواء من مناهل العلم الصافية، فانخرطت في قانون جامع
الزيتونة، وكان الإبتداء فيها من أول الأشموني، وطويت منه الجزء الثاني بعد الإمتحان فيه، وفي سنة 1342 هـ شاركت
في امتحان التطويع فأحرزت على الفوز من الرتبة الأولى، وعمري يومئذ سبعة وعشرون سنة إلا أشهرا، نسأل الله أن يتم
لنا بقية العمر في خدمة العلم وطاعته ).
لم تنقطع صلة الشيخ عبد السلام بشيخه الإمام ابن باديس ، فكان ينزل عنده في قسنطينة في طريقه إلى قريته ، وهو عائد
ليقضي الإجازة الصيفية ، كما ينزل عنده وهو آيب إلى تونس ، ويمكث معه ومع تلاميذه ومساعديه أياما ، وقد كان بمعيته
أخوه المعمر محمد وهو آيب إلى تونس سنة 1937 م ، ومازال إلى اليوم يتذكر مسامرات - أخيه - الشيخ عبد السلام مع
شيخه الإمام ابن باديس وبعض علماء قسنطينة .
حياته العملية :
عاد الشيخ عبد السلام السلطاني إلى وطنه ، بعد حصوله على شهادة التطويع من الدرجة الأولى ، فاستدعاه شيخ زاوية
برحال بقرية دوفانة - ولاية باتنة - طالبا منه التدريس بها ، فاستجاب الشيخ للطلب وشرع في نشر العلم بين الطلبة الذين
اقبلوا عليه من الضواحي ، وبعد أشهر قليلة استدعاه حاكم بلدة المعذر المدعو - ريكو - ، وطرده ومنعه من التدريس
وحذره من العودة إلى حوزه ومنطقة نفوذه ، وقد كان هذا الحاكم من غلاة المعمرين ، وقد ترك هذا التوقيف والطرد جرحا
في نفس الشيخ ، وبقي متنقلا بين قريته وعين التوتة ونقاوس وباتنة وتازولت دون عمل رسمي يؤديه ، ماعدا الفتوى
وإصلاح ذات البين ، وقد مَلَّ هذه البطالة ، فقرر العودة إلى تونس التي كانت تحت الحماية الفرنسية لا الاستعمار
الاستيطاني الذي كان واقعا على وطنه ، مما أتاح للتونسيين حرية لم تكن متاحة في هذا الوطن الجريح ، وبمجرد وصوله
إلى تونس عين مدرسا بالمدارس الدولية التونسية ، فدرس في عدة مدن منها : السرس الدهماني عين دراهم ، وبها بقي
مدرسا حتى وفاته .
ورغم هجرته لم ينقطع عن وطنه ، ووهب نفسه لخدمة طلبة العلم الجزائريين الذين قصدوا تونس ، فكان لهم عونا على
الالتحاق بجامع الزيتونة وإسكانهم والتكفل بمعيشتهم في سكنات ومطاعم الطلبة الغرباء ، التي لم تكن كافية ، فكانت
وساطات الشيخ عبد السلام كافية لينالوا هذا المأوى ، من هؤلاء الطلبة أخواه الشهيد عبد العزيز والأستاذ محمد ، والشيخ
محمد الشريف السحنوني والشيخ بولخراص سلطاني والأستاذ محمد زكري والأستاذ أحمد بن بوزة ، رحم الله الأموات
وأطال أعمار الأحياء.
ولما قامت الثورة التحريرية المباركة ، أدى ما عليه نحوها وهو في غربته ، فقدم معلومات مالية إضافة لاشتراكاته
الشهرية ، وكان على صلة بكثير من قادتها ، وبالأخص مع العقيد محمدي السعيد المشهور ب : سي ناصر ، ونوه الشيخ
باستقامته وتدينه ، ويكفي الشيخ نحو الثورة المباركة أن يكون ابنه سعد الدين وأخوه الشيخ عبد العزيز من شهدائها الأبرار .
التحق الشيخ عبد السلام السلطاني بالرفيق الأعلى على اثر وعكة ألمت به شهر أكتوبر 1958 م ، ودفن بمقبرة الدهماني -
ولاية الكاف تونس - ، وترك من خلفه تراثا علميا أشهره على الإطلاق شرحه لشواهد الأشموني ، الذي يقع في ثلاثة أجزاء
، وقد طبع في حياته ، ثم أعاد طبعه الأستاذ عمار طالبي ، ورسالة لطيفة سماها : تحفة الخليل في حل مشكلة من مختصر
خليل، وكلاهما قرضهما شيخه العلامة عبد الحميد بن باديس ، ولعل له كتبا أخرى مخطوطة ضاعت مع مكتبته .
وقد أثنى علماء عصره على مؤلفاته لاسيما شرحه لشواهد العلامة الأشموني ، وممن أثنى على الشرح المذكور : العلامة
الطاهر بن عاشور والشيخ محمد الصادق الشطي والشيخ العلاني والإمام ابن باديس وزملاؤه كالشيخ علي مغربي والشيخ
محمد الصالح بن عتيق والشيخ احمد بن ذياب والشيخ احمد حماني وأبو القاسم سعد الله ...
والشيخ عبد السلام شاعر مقل ، لم يبلغنا من شعره سوى بضع قصائد ، منها قصيدة ودَّعَ بها شيخه ابن باديس اثر مغادرته
تونس نشرتها جريدة النجاح : 22 جوان 1929 م ، ومرثية في جده الشيخ محمد بن لخضر نظمها سنة 1916 م ،
ومرثية في شيخه العلامة محمد النخلي رحمه الله .
وترك الشيخ عبد السلام رسائل كثيرة مع والده وإخوته وشيوخه ، كما راسل العلماء وبعض المستشرقين .
وحصل الشيخ عبد السلام على إجازات كثيرة من كبار شيوخ جامع الزيتونة ، وكل ذلك تجدونه مفصلا في كتاب : العلامة
عبد السلام السلطاني حياته وآثاره.
وخير ما اختم به هذه الكلمة عن أخلاقه وسجاياه التي يرويها عنه معاصروه ، وقد سمعت بعض ذلك منهم، كشيخنا احمد
بن عثمان وشيخنا محمد بن علجية ، انه : كان طيب القلب سليم السريرة ، متواضعا كأشد ما يكون التواضع ، محبوبا عند
كل من عرفه ، وكان يجنح في فتاويه إلى التيسير، ويكره التزمت والتعصب ، ثائرا على خزعبلات الطرق الصوفية التي
أضلت كثيرا من الناس ، واصفا شيوخها بالدجل ، يمازح أصدقاءه ويتفكه ، وقد وجدت مؤخرا رسالة وجهها لجدي موسى
بن حفيظ رحمه الله ، فيها ما ذكرت من المزاح والتندر.
رحم الله الشيخ عبد السلام برحمة العلماء العاملين، ورفع درجته في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين
وحسن أولئك رفيقا.
وجزى الله كل من سعى في إقامة هذا اليوم الدراسي وإنجاحه، خير الجزاء، وقد جاء في الأثر: ( من ورخ لمؤمن فكأنما
أحياه ).
وصلى الله على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين وسلم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ملاحظة: محاضرة ألقيت في اليوم الدراسي حول العلامة عبد السلام بن عبد الرحمان السلطاني، المنعقد بكلية العلوم
الاسلامية جامعة باتنة، بتاريخ 2013/11/20.