القاضي لخضر بن علي السلطاني
هو الشيخ المجاهد الفقيه لخضر بن علي بن عوف السلطاني ولد بقرية البِيرْ التابعة لبلدية - أولاد عوف دائرة عين التوتة ولاية باتنة - حوالي 1800 م.
حفظ القرآن الكريم، وأخذ مبادئ اللغة العربية والعلوم الشرعية بمسقط رأسه، ثم أكمل دراسته بمدينة نقاوس ، بعدها رحل في طلب العلم إلى زاوية شلاطة(1)وكانت الدراسة بها مدعاة للفخر ودليلا على النبوغ، فيقال فلان درس في شلاطة، وبها أخذ نصيبا وافرا من علوم الشريعة . وتذكر بعض الروايات أن الأُسد حاصرته مع بعض الطلبة في غابة ، بعد عودتهم من الدراسة بزاوية شلاطة ، فاضطروا لصعود شجرة عالية ومكثوا بها يوما كاملا، ولولا لطف الله بهم لهلكوا.
عاد الشيخ لخضر إلى مسقط رأسه وقد ملأ وطابه علما نافعا، فتقلد الإمامة بمسجد القرية وباشر التدريس والفتوى وإصلاح ذات البين، ثم تولى قضاء قبيلة أولاد سلطان(2)، وخصص لهذه المهمة دارا قرب مسجد القرية سميت دار القاضي.(3)
لما التجأ الحاج احمد باي رحمه الله إلى قبيلة أولاد سلطان أواخر 1843 م بايعه الشيخ لخضر بن علي على الجهاد في سبيل الله ، كما بايعته قبيلة أولاد سلطان.(4)
خاض جلُّ أفراد قبيلة أولاد سلطان معارك كبرى مع الحاج أحمد باي، سقط فيها مئات الشهداء، وحفاظا على أجسادهم الطاهرة ، قام الشيخ لخضر بن علي بشراء قطة أرض في منطقة ثَمَزْرِيتْ(5)، ودَفَنَ فيها شهداء المعركة ، وسماها أرض قبور المجاهدين ، وجعلها وقفا عليهم وذلك يوم 18 رمضان 1264 هـ/ 1844 م.
وكان قبل ذلك قد اشترى قطعة أرض أخرى في المكان المسمى بُومِيلَكْ قرب قرية البِيرْ، وقام بدفن عشرات الشهداء فيها، وتذهب بعض الروايات السمعية إلى أن عدد شهداء المقاومة في جبال أولاد سلطان تحت قيادة الحاج أحمد باي بلغ سبعمائة شهيد.
بعد سنة ونصف من الجهاد كرا وفرا، انتصر المجاهدون في معارك وهُزموا في أخرى، غادر الحاج أحمد باي قرية البير عبر جبل مَتْلِيلِي قاصدا جبل أحمر خدو ، وأمَّن له الطريق فرسان أولاد سلطان، بعد ذلك تفرغت السلطات الاستعمارية لمن تبقى من أولاد سلطان المقاومين، فقادت حملة تقتيل ونفي وسجن ضدهم طالت اغلب أفراد القبيلة.
أُلقي القبض على الشيخ لخضر بن علي وبعض رفاقه في المكان المسمى 'ثِيزِي نْبُوثُورْ" واقتيدوا مكبَّلين إلى قسنطينة وتمت محاكمتهم أمام محكمة عسكرية، وصدر الحكم بنفي الشيخ لخضر بن علي إلى جزيرة سانت مارغريت « il SAINT-MARGUERITE » في سنة 1846 م ، وممن نفي معه أحمد بن مهنة، السعيد بن سيدي بلقاسم، المسعود بن الحاج أحمد ....
لقد ابتلي الشيخ القاضي المجاهد لخضر بن علي بن عوف السلطاني في نفسه وولده وماله، فكان صابرا محتسبا، وفي منفاه لم تؤثر فيه محاولات الاحتواء والإغراء والترويض التي مارسها المستعمر مع المنفيين، فلم يراسل أحدا معتذرا ولا مستعطفا، ولم يشك بَثَّه وحزنه إلا إلى الله سبحانه وتعالى، وفي الحديث الشريف عن أبي هريرة : " ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلق الله وما عليه من خطيئة" رواه الترمذي .
كان سجنه خلوة ونفيه سياحة في كتاب الله ، فكان مدرسا لزملائه من المنفيين، وفي منفاه نسخ عددا من المصاحف نسخا غاية في الإتقان ، وقد أرسل إلى أهله(6) مصحفا مع بعض من أطلق سراحهم من نواحي الأوراس ، وكتب في آخره ما يلي :" نجز المصحف المبارك المحتوي على كلام الله العزيز من سورة الفاتحة إلى سورة الناس ، بحمد الله وحسن عونه على يد العبد الفقير الحقير المقرِّ بالعجز والتقصير الغارق في بحر ذنوبه وخطاياه ، الراجي عفو الرؤوف عبده لخضر بن علي بن عوف ،السلطاني نسبا المالكي مذهبا الأشعري اعتقادا ، غفر له ولوالديه ولإخوانه ولقرابته ولمشايخه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ، ولجميع من كان معه في السجن من المؤمنين من كل قطر، وصلاة الله وسلامه على من ختم به الرسالة وعلى جميع إخوانه من النبيين و المرسلين ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وهو وقف علي وعلى أولادي وأولادهم وعلى أولاد إخواني سيدي محمد ويوسف وبلقاسم، لمن فيه أهلية القراءة لا يباع ولا يهدى و لا يدفع في دية ولا في إرش الجناية ولا في صدقة إلى غير ذلك، إلى أن يرث الله الأرض ومن علها وهو خير الوارثين، وشهد بذلك السيد السعيد بن سي بلقاسم من ناحية الشرق وسي سعد بن حجوج ومحمد بن المسار وسي أحمد بن مهنة وسي المسعود بن الحاج أحمد وجماعة من المحبوسين يطول بنا ذكرهم، وذلك في يوم الخميس عند حلول النافلة أول يوم من ربيع الثاني عام 1268 و ذلك في بلاد افرانصه، في الجزيرة المسماة - بسنت مقريت - في وسط البحر حيث كنت فيها مسجونا بإذن الله، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
كما نسخ الشيخ لخضر بعض كتب الحديث والفقه ، و منها كتاب رياض الصالحين ونزهة المتقين للشيخ عبد الرحمان الثعالبي(7)كتب في آخره :
" لقد تم رياض الصالحين وتحفة المتقين، بحمد الله وحسن عونه على يد ناسخه العبد الفقير الحقير المقر بالعجز والتقصير، الراجي عفو الرؤوف عبده لخضر بن علي بن عوف، عفا الله عنه في الدارين آمين، وغفر له ولوالديه ولأشياخه ولإخوانه ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وكان الفراغ منه يوم السبت في شهر الله المعظم ربيع الأول بعدما خلت منه أحدى عشر يوما عام 1268 م ثمانية وستين ومائتين وألف من هجرة من له العز والشرف صلى الله عليه و سلم، وذلك حين قضى الله علي بالسجن في بلاد افرانصه في الجزيرة المسماة - سنت ماغريت - لطف الله به وبالمؤمنين، آمين"
بعد حوالي ثمان سنوات من النفي بجزيرة سانت مارغريت، بلغ الكتاب أجله فانتقل الشيخ لخضر بن علي بن عوف إلى عفو الله ورحمته يوم 7 جوان1853 م(8) ودفن هناك بالجزيرة غريبا غربة الجسد، أما روحه ففي زمرة النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ودفن في مقبرة بها الكثير من المنفيين بتراب بلدية كان-canne- الفرنسية.(9 )
ومن المعلوم أن هذه الجزيرة خصصتها السلطة الاستعمارية لنفي الشخصيات والزعامات الأهلية وممن نُفي إليها الحسن بن عزوز خليفة الأمير عبد القادر على الزيبان سنة 1844م ، يقول الدكتور أبو القاسم سعد الله : ( .... فها هو أحد الدارسين الفرنسيين يذكر أن جزيرة سان مرغريت وحدها قد استقبلت بين 1841 م-1843 م حوالي ثمانين شخصية من الزعامات الأهلية .... )(10)
______________________
(1) - هي زاوية علي بن الشريف بشلاطة دائرة آقبو ولاية بجاية ، وممن درس بها الشيخ البشير الإبراهيمي.
(2) - توجد وثائق تحمل صورة ختمه .
(3) - مازالت آثار الدار شاهدة الى اليوم .
(4) - انظر البحث التالي حول جهاد أولاد سلطان مع الحاج أحمد باي.
(5) - أنظر صورة العقد في ملحق نهاية الكتاب.
(6) - وهو محفوظ في خزانة الوالد - أنظر آخر صفحة من المصحف في الملحق الثاني من هذا الكتاب.
(7) - توجد هذه النسخة من رياض الصالحين للثعالبي في خزانتنا.
(8) - أنظر صورة شهادة وفاته مستخرجة من بلدية canne الفرنسية في الملحق الثاني من هذا الكتاب.
(9) - تذكر بعض الروايات أنه رأى في منامه أن الله سيتوفاه في هذه الجزيرة، فكان ذلك، و كان أمرا الله قدرا مقدورا.
(10) - للمزيد عن المنفيين لهذه الجزيرة ، أنظر الحركة الوطنية أبو القاسم سعد الله 1 / 222 ...