الشيخ محمد بن لخضر السلطاني
هو الشيخ محمد بن لخضر بن علي العوفي السلطاني، ولد بقرية البِيرْ حوالي سنة 1835.
حفظ القرآن الكريم وأخذ مبادئ الفقه والنحو عن والده، لا أعلم إن كان قد رحل في طلب العلم، ولا استبعد ذلك لأن والده الشيخ القاضي لخضر بن علي، كان حريصا على تعليم أبنائه.
وتذكر المعلومات المتوفرة لدينا أن الشيخ محمد كان آية في حفظ القرآن الكريم متقنا لأحكام التلاوة.
عُرف الشيخ محمد بتقوى الله في السر والعلن، تواترت الروايات واجمعت على أنه كان وليا من أولياء الله الصالحين.
انفرد الشيخ بعمل خيري كان سنة حسنة سنها في زمنه، فقد كان يجمع كل لوازم الكتاتيب القرآنية، من أفرشة وحُصر وألواح ومحابر وأقلام و صلصال وآنية، ثم يحملها على البغال، و يوزعها على كتاتيب القرآن في عدة قرى ومداشر، يكرر هذا العمل خريف كل سنة.
شارك الشيخ محمد رحمه الله في المقاومة الشعبية تحت لواء الحاج أحمد باي مع كافة أفراد أسرته.
عاش الشيخ محمد رحمه الله طول حياته مبتلى، ابتلي بنفي والده القاضي الشيخ لخضر بن علي ولم يتجاوز العاشرة من عمره، وأحرقت داره وأتلفت مكتبة أبيه العامرة.(1 ) ثم ابتلي في آخر عمره بنفي إبنيه ، عبد الرحمن والبشير الأول إلى آفلو والثاني إلى تقرت .
لقد تعرض الشيخ محمد لأشد الإبتلاءات وأصعب الإمتحانات كانت البداية ابتلاءا والنهاية ابتلاء، وإذا أحب الله عبدا ابتلاه، وقابل الشيخ هذه الإبتلاءات بالصبر والثبات، ولم يشك بثه وحزنه إلا إلى الله سبحانه وتعالى، روى الإمام الترمذي عَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ .
كان الشيخ محمد رحمه الله من أولياء الله الصالحين، تواترت عنه كرامات كثيرة نذكر منها كرامتين :
الأولى: لما دخل الجنود الفرنسيون داره، بعد انتفاضة 1916 م، قام بتفكيك بندقية ابنه عبد الرحمان وتأبطها، وجلس جلسة هي أقرب إلى السجود وأمامه كتاب الله يتلوه، فظنه الجنود الفرنسيون معوقا، ولو اكتشفوا البندقية لكان مصيره وابنه الإعدام.
والثانية: أنه رحمه الله كان كعادته يقوم بتحفظ القرآن للطلبة في الكتَّاب، وفجأة وقف صارخا ونادى إبنه عبد الرحمان، ولم يكن ابنه حاضرا معه، فقد كان على متن باخرة قاصدا آداء فريضة الحج ، ثم دعا الله أن يحفظ ابنه، واستغرب فعله طلبته ، وسجل الشيخ محمد هذه الحادثة في كناشه الخاص.
و لما رجع ابنه من الحج سأله والده عما وقع له يوم كذا...، فتعجب الإبن أشد العجب ! وأخبر والده أنه كان على متن الباخرة فرأى منكرا يقترفه بعض السفهاء في السفينة، فغيره بلسانه ثم بيده، فأرادوا به كيدا، فقاموا بإلقائه في البحر، فقفز بعض السباحين المهرة وأنقذوه، قال تعالى " و كذلك ننجي المؤمنين" الأنبياء 87.
وفاته:
بعد أشهر قليلة من نفي ولديه ، بلغ الكتاب أجله، فانتقل الشيخ محمد إلى عفو الله ورحمته سنة 1336 هـ/1917 م ، ودفن بمقبرة بومليك بقرية البير، وشاء الله سبحانه وتعالى أن تلحق به زوجته الولية الصالحة السيدة حليمة، بعد أربعين يوما من وفاته رحمها الله.
-------
(1) - أحرق الإستعمار لهذه الأسرة العملية خزائن كتبها مرتين الأولى سنة 1844 بعد نفي القاضي لخضر بن علي، والثانية سنة 1916 بعد نفي الحاج عبد الرحمان العوفي .